أحمد بن محمد مسكويه الرازي
238
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
والدينار إذا كانا مغشوشين فسدا سريعا ، وهذا واجب في جميع أنواع المحبات ، ولذلك يتعاطى العاقل أبدا نمطا واحدا ويلزم مذهبا واحدا في إرادة الخير ، ويفعل جميع ما يفعله من أجل ذاته ، ويرى خيره عند غيره كما يراه عند نفسه ، وأما صديقه فقد قلنا إنه هو هو ، إلا أنه غيره بالشخص ، أما سائر مخالطيه ومعارفه فإنه يسلك بهم مسلك أصدقائه ، كأنه مجتهد في أن يبلغ بهم وفيهم منازل الأصدقاء بالحقيقة ، وان كان لا يمكن ذلك في جميعهم ، فهذه سيرة الرجل الخير في نفسه وفي رؤسائه وأهله وعشيرته وأصدقائه وسلطانه . 3 - الشرير والخيّر واما « الشرير » فإنه يهرب من هذه السيرة وينفر منها لرداءة الهيئة التي حصلت له ، ولمحبته البطالة والتكاسل عن معرفة الخير والتمييز بينه وبين الشر ، وبين ما هو مظنون عنده خيرا وليس بخير . ومن كان على هذه الحالة من الشر ورداءة الهيئة كانت أفعاله كلها رديئة وذاته رديئة ، ومن كانت ذاته رديئة هرب من ذاته لأجل ان الرداءة مهروب منها ، واضطر إلى صحبته قوم يناسبونه ليفني عمره معهم ، ويشتغل بهم عن ذاته وما يجده فيها من الاضطراب والقلق ، وذلك إن هؤلاء الأشرار إذا خلوا بأنفسهم تذكروا افعالهم الرديئة ، وهاجت بهم القوى المتضادة التي تدعوهم إلى ارتكاب الشرور المتضادة ، فيألمون من ذواتهم وتتشاغب نفوسهم أنواع الشغب وتجذبهم القوى التي فيهم وهي التي لم يروضوها بالأدب الحقيقي إلى جهات مختلفة من اللذات الرديئة ، وطلب الكرامات التي لا يستحقونها والشهوات الرديئة التي تهلكهم سريعا .